فخر الدين الرازي
79
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بإحدى اليدين لا تعمهما والآفة النازلة بالعين الواحدة تعم العينين لأن منبع النور واحد وهما متجاذبان والوجود يفرق بينهما ، فإن الأعمى كثير الوجود ومقطوع اليدين نادر . المسألة الثالثة : قدم الآفة في الآلة على الآفة في القوة ، لأن الآفة في القوة تزول وتطرأ ، والآفة في الآلة إذ طرأت لا تزول ، فإن الأعمى لا يعود بصيرا فالعذر في محل الآلة أتم . المسألة الرابعة : قدم الأعمى على الأعرج ، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال ، والأعرج إن حضر راكبا أو بطريق آخر يقدر على القتال بالرمي وغيره . [ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 18 إلى 19 ] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 19 ) اعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة الآخر فجمع بينهما بيانا لطاعة اللّه ، فإن اللّه تعالى لو قال : ومن يطع اللّه ، كان لبعض الناس أن يقول : نحن لا نرى اللّه ولا نسمع كلامه ، فمن أين نعلم أمره حتى نطيعه ؟ فقال طاعته في طاعة رسوله وكلامه يسمع من رسوله . ثم قال : وَمَنْ يَتَوَلَّ أي بقلبه ، ثم لما بيّن حال المخلفين بعد قوله إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] عاد إلى بيان حالهم وقال : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ حتى بايعوا على الموت ، وفيه معنى لطيف وهو أن اللّه تعالى قال قبل هذه الآية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ [ الفتح : 17 ] فجعل طاعة اللّه والرسول علامة لإدخال اللّه الجنة في تلك الآية ، وفي هذه الآية بيّن أن طاعة اللّه والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان ، أما طاعة اللّه فالإشارة إليها بقوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وأما طاعة الرسول فبقوله إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما قال تعالى : وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [ المجادلة : 22 ] . ثم قال تعالى : فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ والفاء للتعقيب وعلم اللّه قبل الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم ؟ نقول قوله فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ متعلق بقوله إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيدا فقام إليّ ، أو إذ دخلت عليه فأكرمني ، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيبا كذلك ، هاهنا قال تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب ، بل عند المبايعة التي كان معها علم اللّه بصدقهم ، والفاء في قوله فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ / للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم ، وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه اللّه تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى : وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها مغانمها وقيل مغانم هجر وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً كامل القدرة غنيا عن إعانتكم إياه